محمد بن جرير الطبري

29

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ يقول جل ثناؤه : وربك يا محمد الذي أمر عباده بما أمرهم به ونهاهم عما نهاهم عنه وأثابهم على الطاعة وعاقبهم على المعصية ، الغني عن عباده ، الذين أمرهم بما أمر ونهاهم عما نهى ، وعن أعمالهم وعبادتهم إياه ، وهم المحتاجون إليه ، لأنه بيده حياتهم ومماتهم وأرزاقهم وأقواتهم ونفعهم وضرهم ، يقول عز ذكره : فلم أخلقهم يا محمد ولم آمرهم بما أمرتهم به وأنههم عما نهيتهم عنه ، لحاجة لي إليهم ولا إلى أعمالهم ، ولكن لأتفضل عليهم برحمتي وأثيبهم على إحسانهم إن أحسنوا ، فإني ذو الرأفة والرحمة . وأما قوله : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ فإنه يقول : إن يشأ ربك يا محمد الذي خلق خلقه لغير حاجة منه إليهم وإلى طاعتهم إياه يُذْهِبْكُمْ يقول : يهلك خلقه هؤلاء الذين خلقهم من ولد آدم وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ يقول : ويأت بخلق غيركم ، وأمم سواكم يخلفونكم في الأرض من بعدكم ، يعني : من بعد فنائكم وهلاككم . كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلق آخرين كانوا قبلكم . ومعنى " من " في هذا الموضع : التعقيب ، كما يقال في الكلام أعطيتك من دينارك ثوبا ، بمعنى : مكان الدينار ثوبا ، لا أن الثوب من الدينار بعض ، كذلك الذين خوطبوا بقوله : كَما أَنْشَأَكُمْ لم يرد بإخبارهم هذا الخبر أنهم أنشئوا من أصلاب قوم آخرين ، ولكن معنى ذلك ما ذكرنا من أنهم أنشئوا مكان خلق خلف قوم آخرين قد هلكوا قبلهم . والذرية من قول القائل : ذرأ الله الخلق ، بمعنى خلقهم فهو يذروهم ، ثم ترك الهمزة فقيل : ذرا الله ، ثم أخرج الفعيلة بغير همز على مثال العلية . وقد روي عن بعض المتقدمين أنه كان يقرأ : " من ذريئة قوم آخرين " على مثال فعيلة . وعن آخر أنه كان يقرأ : " ومن ذرية " على مثال عليه . والقراءة التي عليها القراء في الأمصار : ذُرِّيَّةِ بضم الذال وتشديد الياء على مثال علية . وقد بينا اشتقاق ذلك الذرية فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته هاهنا . وأصل الإنشاء : الإحداث ، يقال : قد أنشأ فلان يحدث القوم ، بمعنى : ابتدأ وأخذ فيه . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ . يقول تعالى ذكره للمشركين به : أيها العادلون بالله الأوثان والأصنام ، إن الذي يوعدكم به ربكم من عقابه على إصراركم على كفركم واقع بكم وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ يقول : لن تعجزوا ربكم هربا منه في الأرض فتفوتوه ، لأنكم حيث كنتم في قبضته ، وهو عليكم وعلى عقوبتكم بمعصيتكم إياه قادر ، يقول : فاحذروه ، وأنيبوا إلى طاعته قبل نزول البلاء بكم . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لقومك من قريش ، الذين يجعلون مع الله إلها آخر : اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ يقول : اعملوا على حيالكم وناحيتكم . كما : حدثني علي بن داود ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ يعني على ناحيتكم . يقال منه : هو يعمل على مكانته ومكينته . وقرأ ذلك بعض الكوفيين : " على مكاناتكم " على جمع المكانة . والذي عليه قراء الأمصار : عَلى مَكانَتِكُمْ على التوحيد . إِنِّي عامِلٌ يقول جل ثناؤه لنبيه : قل لهم : اعملوا ما أنتم عاملون ، فإني عامل ما أنا عامله مما أمرني به ربي . فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ يقول : فسوف تعلمون عند نزول